الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
123
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
انتقال من سوق هذه القصة إلى العبرة بتصميم المشركين على التكذيب بعد هذه الدلائل البينة ، فالواو للعطف على جملة ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [ يوسف : 102 ] باعتبار إفادتها أن هذا القرآن وحي من اللّه وأنه حقيق بأن يكون داعيا سامعيه إلى الإيمان بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما كان ذلك من شأنه أن يكون مطمعا في إيمانهم عقب بإعلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أكثرهم لا يؤمنون . و النَّاسِ يجوز حمله على جميع جنس الناس ، ويجوز أن يراد به ناس معيّنون وهم القوم الذين دعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكّة وما حولها ، فيكون عموما عرفيا . وجملة وَلَوْ حَرَصْتَ في موضع الحال معترضة بين اسم ما وخبرها . وَلَوْ هذه وصلية ، وهي التي تفيد أن شرطها هو أقصى الأسباب لجوابها . وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] . وجواب لَوْ هو وَما أَكْثَرُ النَّاسِ مقدّم عليها أو دليل الجواب . والحرص : شدة الطلب لتحصيل شيء ومعاودته . وتقدم في قوله تعالى : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ في آخر سورة براءة [ 128 ] . وجملة وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ معطوفة على جملة وَما أَكْثَرُ النَّاسِ إلى آخرها باعتبار ما أفادته من التأييس من إيمان أكثرهم . أي لا يسوؤك عدم إيمانهم فلست تبتغي أن يكون إيمانهم جزاء على التبليغ بل إيمانهم لفائدتهم ، كقوله : قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ [ سورة الحجرات : 17 ] . وضمير الجمع في قوله : وَما تَسْئَلُهُمْ عائد إلى الناس ، أي الذين أرسل إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وجملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بمنزلة التعليل لجملة وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ . والقصر إضافي ، أي ما هو إلا ذكر للعالمين لا لتحصيل أجر مبلّغه . وضمير عَلَيْهِ عائد إلى القرآن المعلوم من قوله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [ يوسف : 102 ] .